يوسف المرعشلي
1224
نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر
الغفران » للمعري - فراجعوها ، وقضوا في مراجعتهم الدرس كلّه ، ولم يتجاوزوها إلى غيرها ، وبعدئذ صاح فيهم الشيخ باكير مازحا بسخرية : « تضربوا ، منشان كلمة واحدة نتعنا كل ها الكتب ولبّكنا حالنا ! » وانفض المجلس ضاحكا . كان صاحب الترجمة يدقق في نصّ الكتاب ، ويناقش العبارة فيقبل أو يرفض وينكر أو يستسيغ . رووا أنه قرأ مرة في الدرس مع أصحابه في كتاب « الكشاف » للزمخشري تفسير الآية الكريمة : عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ [ التوبة : 43 ] فقال الزمخشري : « أي أخطأت ، وبئس ما فعلت » فتضايق المترجم من هذا الأسلوب الخشن في مخاطبة النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وأطبق الكتاب قائلا : « لا أحب القراءة في كتاب صاحبه بهذا الشكل من الأدب » ، فلما نام رأى النبي صلى اللّه عليه وسلم وهو يصلي في المحكمة الشرعية بالمرجة ، ثم رأى الزمخشري تسوقه الشرطة لتقديمه إلى المحاكمة والنبي صلى اللّه عليه وسلم في صلاته . . كان بيته قبلة العلماء ومنتدى المفكرين ، فيه يجتمعون وإليه يقصدون ، وجرت عنده ندوة عند قدوم الشيخ زاهد الكوثري كانت المناقشة فيها على مستوى رفيع من المطارحة العلمية . وأوتي في المجال التجاري ذهنا لمّاحا وذكاء نيّرا ، يجري العمليات الحسابية بسرعة نادرة . حدّثوا عنه في هذا المجال أنّ أحد عملاء الشركات الإنكليزية جاءه يعرض عليه أقمشة أو خيوطا ، وكان السعر بالعملة الإنكليزية ( الباوند ) ، فوجد الثمن غاليا فقال له العميل : إنه باع في إستانبول بسعر أغلى بالفرنك الفرنسي ، فلما سأله : بكم باع ، وأخبره ، حسب في ذهنه بسرعة ، وعادل الفرق بين العملتين وقال له : قبلت الشراء على سعر المبيع لإستانبول . فقال العميل : ولكن ما أعرضه عليك أرخص . فقال له : أحسب . فأمسك العميل ورقة وجعل يحوّل ، ويجري العمليات الحسابية دقائق طويلة ، فلما تبيّن له صحة حساب صاحب الترجمة ، رفع رأسه إليه يتأمله ساكتا مدهوشا ، فقال له الشيخ مبتسما : أأقول لك ما يدور في ذهنك ؟ إنك تقول في نفسك : أيصدر هذا عن شيخ ذي لفّة ولحية ؟ ! نوّه بفضائله الشاعر أبو الخير الطباع ، فمدحه بقصائد منها قوله : جمعت خصالا ليس في الوسع حصرها * فمن لي ونظمي للقريض قطوف ذكاء وإقدام وحزم ونائل * وحسن ومجد تالد وطريف وعلم وآداب ونفس أديبة * وحسن وداد والجناب « شريف » أدّى انصرافه إلى العمل والعلم ودأبه ومثابرته إلى مرضه وإجهاد جسمه . توفي بدمشق في 29 ربيع الثاني سنة 1359 ه / 4 حزيران 1940 م ، ودفن بمقبرة الباب الصغير : ورثاه أحد الشعراء مؤرخا وفاته بقصيدة منها : أدّيت قسطك من برّ وإحسان * فاهنأ بروضك في روح وريحان قطفت من ثمرات العلم أفضلها * وجبت من زهرة الدّنيا ببستان فكان فضلك نصّا في استبانته * هل ينكر « النّص » ذو علم وعرفان « شريف » حسبك ما قدّمت من عمل * وليهنك اليوم - أرخ - قرب رضوان 1359 ه محمد الرزاز « * » ( 1249 - 1303 ه ) الشيخ محمد ابن الشيخ شريف ابن الشيخ محمد الفرضي الشهير بالرزّاز خطيب الجامع المعروف بالعادلية . ولد رحمه اللّه في شعبان سنة 1249 ، ولما بلغ سن التمييز تعلّم القرآن وحفظه عن ظهر قلب ، ثم أخذ في طلب العلم فقرأ على الشيخ مصطفى الأصيل ، وعلى والده الشيخ شريف المذكور ، وتلقّى القراءات السبع عن الشيخ مسعود المصري الضرير وأجازه إجازة حافلة ،
--> ( * ) « أعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء » للطباخ : 7 / 407 - 408 .